مواقف دفاع أبي طالب عن النبي

كان أبو طالب يحوّط النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويحميه من أذى قريش؛ فقد كان عمّه ذا منزلة عند القوم، ممّا جعله يحول بينهم وبين النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد أكرمه الله -تعالى- بسبب نصرته ومؤازرته للنّبي بتخفيف العذاب عنه يوم القيامة.[١]


وذلك لأنّه مات كافراً ولم يُسلم؛ فخفف الله عنه العذاب كرامةً للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وجزاءً على مساندته؛ ففي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال في مصير عمّه أبي طالب: (... هو في ضَحْضَاحٍ مِن نَارٍ، لَوْلَا أنَا لَكانَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ)؛[٢][١] وقد ذكر أهل العلم هذا في باب أنواع شفاعة النبي يوم القيامة، ونذكر فيما يأتي المواقف الأبرز في دفاع أبي طالب عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:


موقفه في مساومة قريش للنبي

وَفَدَ جمعٌ من قريش إلى أبي طالب في بدايات دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، يشتكون له أمر النبي من سبّ آلهتهم، وتسفيه أصنامهم وعبادتهم، وتضليل آبائهم، وطلبوا منه أن يكفّه عنهم، أو يسلّمه لهم؛ فردّ عليهم أبو طالب ردّاً ليناً، حتى انصرفوا عنه، وقد بقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مستمراً بدعوته، مقبلاً على الناس يدعوهم إلى الإسلام، فأغضب ذلك قريش حتى أكثروا من ذكره، وتآمروا عليه وعلى أصحابه.[٣]


ثمّ عاودوا القدوم إلى أبي طالب؛ وقالوا له قولاً عظّموا فيه مكانته وشرف نسبه في قريش، ثم ساوموه على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وطلبوا منه الكفّ أو التسليم والهلاك؛ فعزّ على أبي طالب مخالفة القوم وفراقهم، كما لم تطِبْ نفسه بخذلان النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأرسل إليه يعلمه بما قالت قريش، طالباً منه أنْ لا يحمله ما لا يطيق، فردّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّه لن يدع هذا الأمر، وهذه الدعوة حتى يأتيه أمر من الله -سبحانه-، أو أن يهلك في سبيله.[٣]


وقد حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- حزناً شديداً ظاناً أنّ عمّا أبا طالب قد خذله، وبدا له اتباع قريش فيما تقول؛ فأقبل عليه عمّه حين علم حزنه، وقال له مواسيّاً: "اذْهَبْ يَا بْنَ أَخِي، فَقُلْ مَا أَحْبَبْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أَبَدًا"، ثمّ أنشد قائلاً:[٣]


والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسّد في التّراب دفينا



موقفه عند مكر قريش لقتل النبي

لمّا عاد عمرو بن العاص من الحبشة خائباً خالي الوفاض، بعد رفض النجاشيّ تسليمه المسلمين المهاجرين إلى بلده؛ اشتدّ أذى المشركين على المسلمين في مكة المكرمة، وازداد التضييق، واشتدّ البلاء، وبلغ المسلمون جهدهم من قريش، حتى اجتمع زعماؤهم، وعزموا أمرهم على قتل النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فما كان من أبي طالب حين علم بذلك إلا أن قام بجمع بني عبد المطلب؛ مسلمهم وكافرهم، كبيرهم وفتيّهم.[٤]


ثم أعلمهم بمكر قريش، وطلب منهم أن يحموا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويُدخلوه الشِعَب، ويمنعوه عن كل من أراده؛ فتوحّد القوم، وحموا النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ بدافع الإيمان من المسلمين، وبدافع الحميّة والقبليّة من المشركين؛ من أبناء بني عبد المطلب.[٤]


موقفه في مقاطعة بني هاشم

علمت قريش بما فعله أبو طالب، ومن كان معه في شأن حماية النبي -صلى الله عليه وسلم- وإدخاله الشِعَب، فاجتمعوا وأجمعوا أمرهم على المقاطعة؛ فكتبوا صحيفة فيها بنود مقاطعتهم؛ بأن لا يخالطوهم، ولا يجالسوهم، ولا يتزوّجوا منهم، ولا يزوّجوهم، ولا يشتروا منهم ولا يبيعوهم؛ فما كان من أبي طالب إلا أن وقف بجانب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتحمّل هذا الحصار والأذى مع المسلمين مدة ثلاث سنوات.[٥]


حتى إنّ المصادر وكتب السير تذكر مدى خوف أبي طالب على النبي -صلى الله عليه وسلم-، من معاودة الاغتيال ومحاولات القتل؛ فكان يترك النبي -صلى الله عليه وسلم- يضجع في فراشه حتى يراه القوم من قريش، ثم يُغافلهم ويجعل أحد بنيه ينام مكان النبي -صلى الله عليه وسلم- في فراشه، وينام النبي في مكانٍ آخر بعيداً عن أعين القوم.[٥]


أذى قريش للنبي بعد وفاة عمه

لمّا مات أبو طالب نالت قريش من النبي -صلى الله عليه وسلم- وآذته بما لم تكن تقدر عليه في حياة أبي طالب، فكانوا يرمونه بالقاذورات -صلوات ربي وسلامه عليه-، ويضعون عليه التراب، حتى تجرأ عليه أبو جهل، وأقسم أنْ يطأَ عنق النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولكنّ الله -سبحانه- حمى نبيّه، وحال بينه وبين سفهاء القوم.[٦]


حيث ثبت في الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ أبا جهل قال لقريش ذات يوم: (هلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قالَ: فقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى، لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذلكَ لَأَطَأنَّ علَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرَابِ)، فجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي ليطأ رقبته، ولكنّه رجع مخذولاً إلى القوم، يُقلّب بين يديه؛ فلمّا سألوه عمّا فعل، أجاب: (إنَّ بَيْنِي وبيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً)، ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لصحابته: (لوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ المَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا...).[٧][٨]

المراجع

  1. ^ أ ب أبو القاسم ابن عساكر، تاريخ دمشق، صفحة 341، جزء 66. بتصرّف.
  2. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن العباس بن عبد المطلب، الصفحة أو الرقم:6208، صحيح.
  3. ^ أ ب ت الغزالي، فقه السنة، صفحة 117-118. بتصرّف.
  4. ^ أ ب شمس الدين الذهبي، تاريخ الإسلام، صفحة 221، جزء 1. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ابن كثير، السيرة النبوية من البداية والنهاية، صفحة 44، جزء 2. بتصرّف.
  6. محمد أبو شهبة، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، صفحة 396، جزء 1. بتصرّف.
  7. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2797، صحيح.
  8. عبد المجيد الزندانى، بينات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته، صفحة 247. بتصرّف.