عام الحزن

ألمّت بالرسول -عليه الصلاة والسلام- الكثير من الشدائد والصعاب في مسيرة دعوته في مكّة المكرّمة التي استمرّت عشرة أعوامٍ، فبعد الحصار الذي فرضته قريش على المسلمين والانطلاق مجدّداً في الدعوة إلى توحيد الله حلّ العام الذي سُمّي بعام الحزن.[١]



لماذا سمي عام الحزن بهذا الاسم؟

سمّي العام العاشر من البعثة بعام الحزن؛ لشدّة حزن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- على وفاة زوجته خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- وعمّه أبي طالب، إذ توفيا في العام العاشر، وتجدر الإشارة إلى أنّه لم تثبت تسمية عام الحزن في أيٍّ من الأحاديث الصحيحة أو الضعيفة، أو في كتب السيرة أو شروحها، ولم يُذكر عام الحزن على لسان أحدٍ من علماء السيرة وممّن كتب في السيرة أو شرح الأحاديث، ويُستبعد أن يطلق النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أو أحد الصحابة -رضي الله عنهم- اسم عام الحزن، فقد مرّوا بالعديد من الشدائد والمِحن سواءً قبل الهجرة أم بعدها إلّا أنّه لم يُنقل أن سمّوا أي عامٍ بعام الحزن.[٢]



وفاة أم المؤمنين السيدة خديجة

توفيت أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- في السنة العاشرة للبعثة، وقد كانت السند العاطفي والقلبي للرسول -عليه الصلاة والسلام-، ولذلك كان حزنه شديداً على فراقها ولعلّ ما ثبّته حينها عِلْمه بأنّها من أهل الجنة، فقد ورد عن عائشة -رضي الله عنها-: (كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا ذَكرَ خديجةَ أثنى فأحسَنَ الثَّناءَ قالت فغِرتُ يومًا فقلتُ ما أكثرَ ما تذكرُها حمراءَ الشِّدقينِ قد أبدلَكَ اللَّهُ خيرًا منها. قالَ ما أبدلني اللَّهُ خيرًا مِنها قد آمنَتْ بي إذ كَفرَ بيَ النَّاسُ وصدَّقتني إذ كذَّبني النَّاسُ وواسَتْني بمالِها إذ حرَمَنِيَ النَّاسُ ورزقنيَ اللَّهُ أولادَها إذ حرمني أولادَ النَّساءِ)،[٣] فكانت خديجة -رضي الله عنها- أمّاً لأولاد النبيّ -عليه السلام- ووزيرة صدقٍ له، وصاحبة الرأي الحكيم والسديد حتى أنّ عائشة -رضي الله عنها- غارت منها دون أن تراها، إذ قالت: (ما غِرْتُ علَى أحَدٍ مِن نِسَاءِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ما غِرْتُ علَى خَدِيجَةَ، وما رَأَيْتُهَا، ولَكِنْ كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، ورُبَّما ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّما قُلتُ له: كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إلَّا خَدِيجَةُ، فيَقولُ: إنَّهَا كَانَتْ، وكَانَتْ، وكانَ لي منها ولَدٌ).[٤][٥]



وفاة أبي طالب عمّ النبي

توفّي أبو طالب عمّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- في شهر رجب من السنة العاشرة من البعثة بعد أن ألمّ به المرض، وكان النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قد حثّه ورغّبه بالنطق بالشهادتين وهو على فراش الموت إلّا أنّه أبى، فعزم النبيّ -عليه السلام- على الاستغفار له فنهاه الله -تعالى- عن ذلك، وأنزل قوله: (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذينَ آمَنوا أَن يَستَغفِروا لِلمُشرِكينَ وَلَو كانوا أُولي قُربى مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحابُ الجَحيمِ)،[٦] وقوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)،[٧] فقد حَزِن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حزناً شديداً على وفاة عمّه؛ لأنّه كان بمثابة الحصن المنيع للدعوة الإسلامية وللرسول، ومانعاً من إلحاق الأذى به.[٨]

المراجع

  1. "عام الحزن"، إسلام ويب، 19/7/2003، اطّلع عليه بتاريخ 12/8/2021. بتصرّف.
  2. د. محمد عبد الله العوشن (2014/2/28)، "عام الحزن"، قصة الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 12/8/2021. بتصرّف.
  3. رواه الشوكاني، في در السحابة، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:249، إسناده حسن.
  4. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:3818، صحيح.
  5. أ.د. راغب السرجاني (2010/4/21)، "عام الحزن - وفاة السيدة خديجة"، قصة الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 12/8/2021. بتصرّف.
  6. سورة التوبة، آية:113
  7. سورة القصص، آية:56
  8. صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، صفحة 103. بتصرّف.