النجاشي

هو أصحمة بن أبجر النجاشيّ،[١] والنجاشيّ هو لقب لملوك الحبشة كما يُسمى ملوك الروم قيصر، وملوك الفرس كسرى، واسمه بالعربية عطيّة،[٢] ومملكة الحبشة هي أثيوبيا وأريتريا وشمال الصومال حالياً، حكمها أبجر النجاشيّ أولاً، ولكنّ تعرض للفتنة والاغتيال؛ فُقتل وبِيْعَ ابنه أصحمة مع الرقيق والعبيد.[٣]


وقيل إنّ الفوضى أصابت الحبشة، ونزلت عليهم الصواعق من السماء؛ فأخذوا يبحثون عن أصحمة النجاشيّ حتى وجدوه قد غادر على متن سفينة، فأعادوه؛ وردّوا له الحكم بعد قتل أبيه؛ لذا كان عادلاً يكره الظلم والفساد، حتى ذاع صيته واشتهر بذلك،[٣] وقد توفي أصحمة النجاشيّ في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة.[١]


موقف النجاشي مع المسلمين

لمّا بلغ قريش ما كان من هجرة المسلمين إلى الحبشة، وما قابلهم به ملكها من العدل والأمان والطمأنينة؛ قرروا إرسال وفد إلى النجاشيّ، وساقوا معهم الهدايا؛ طمعاً في تسليم المسلمين لهم، وإرجاعهم إلى مكة المكرمة، فلمّا حضروا إليه، رفض النجاشيّ تسليم من لجأ إلى بلاده محتميّاً بحماه؛ لكنّ وفد قريش أثاروا الشكوك، وأخذوا يتهمون المسلمين بالقول الباطل على عيسى ابن مريم وأمه -عليهما السلام-، مما جعل النجاشيّ يستدعي المسلمين لسؤالهم.[٤]


وقد تصدّى لهذا الموقف المهيب جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وأبلى بلاءً حسناً في إقناع النجاشيّ، وردّ المطاعن عن الإسلام والمسلمين، وقرأ عليه آياتٍ من صدر سورة مريم؛ حتى خشع النجاشيّ، وقال إنّ هذا الدين الذي جاء به نبيّكم، والدين الذي أتى به نبي الله عيسى -عليه السلام- ليخرج من مشكاة واحدة، فرفض تسليم المسلمين، وأعلن حمايته لهم في بلاده.[٤]


إسلام النجاشي

ثبت في السنة النبوية أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لمّا توفي النجاشيّ، طلب من أصحابه الصلاة عليه صلاة الغائب؛ فكان ذلك أوّل تشريع لها، ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَاتَ اليومَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا علَى أخِيكُمْ أصْحَمَةَ)،[٥] وفي رواية أخرى: (أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- صَلَّى علَى أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ، فَكَبَّرَ عليه أرْبَعًا).[٦][٢]


كما استدلّ بعض المؤلفين على إسلام النجاشيّ بدعوته عمرو بن العاص للإسلام؛ وذلك لمّا أتاه عمرو بن العاص في طلب عمرو بن أميّة -رضي الله عنه-، وبقية المسلمين المهاجرين، فقال له النجاشي: "أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لقتله؟"، وقد كان بين النجاشي وعمرو علاقة قديمة، فدعاه لاتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له: "ويحك يا عمرو أطعني واتبعه، فإنّه والله لعلى الحق..."؛ فمدّ عمرو يده للنجاشي، وبايعه على الإسلام.[٧]


ولهذا قال بعضهم صحابيّ أسلم على يد تابعيّ؛ قاصدين أنّ النجاشيّ لم يلقَ النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ مع إسلامه به، فلذا لا يُعدّ من الصحابة الكرام.[٨]وكل ما سبق يدلّ على إسلام النجاشيّ سراً، ولعلّ ذلك كان لعدّة أسباب تتعلق بملكه وشعبه؛ لخصها بعض الباحثين والدارسين على النحو الآتي:[٩]

  • خوفه من إحداث الفتنة في البلاد؛ حيث رُويَ أنّه تعرّض لثورة شعبيّة ضدّه في الحبشة؛ بسبب مساندته للمسلمين.
  • انتشار الديانة النصرانية بشكل واسع في ذلك الوقت.
  • أنّه وجد في مساندة المسلمين بالمدينة المنورة، وهو يُظهر النصرانية ويُخفي الإسلام؛ نفعاً أكبر من إعلان إسلامه.


أمّا عن سبب صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- على أصحمة النجاشيّ صلاة الغائب؛ ففيها تشريف لمكانة النجاشيّ، وتقدير لموقفه الجليل عند هجرة المسلمين إليه، وحمايته لهم في بلاده، ورفضه تسليمهم لمشركي قريش، كما في ذلك تأليف لقلوب ملوك العرب، بالإضافة إلى أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يشهد صلاة الجنازة على النجاشيّ في الحبشة، فأدّها بصلاة الغائب.[١٠]

المراجع

  1. ^ أ ب محمد أبو شهبة، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، صفحة 532، جزء 2. بتصرّف.
  2. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين، موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي، صفحة 522، جزء 10. بتصرّف.
  3. ^ أ ب جهاد الترباني، مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ، صفحة 32. بتصرّف.
  4. ^ أ ب محمد الخضر حسين، موسوعة الأعمال الكاملة، صفحة 137-138، جزء 1. بتصرّف.
  5. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم:3877، صحيح.
  6. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم:3879، صحيح.
  7. راغب السرجاني، السيرة النبوية، صفحة 14، جزء 35. بتصرّف.
  8. محمد الخضر حسين، موسوعة الأعمال الكاملة، صفحة 143، جزء 1.
  9. راغب السرجاني، السيرة النبوية، صفحة 5، جزء 33. بتصرّف.
  10. عائض القرني، دروس الشيخ عائض القرني، صفحة 17، جزء 331. بتصرّف.