كان من عادة العرب أن يُرسلوا أولادهم بعد ولادتهم إلى المراضع في البادية، وذلك كي ينشؤوا هناك نشأة سليمة قوية، حيث نقاء الجو وقلة الأمراض، والهدوء والصفاء، والبلاغة والفصاحة، فينشأ الطفل قوي الجسم، ذكي العقل، فصيح اللسان، وبعد ولادة النبي -صلى الله عليه وسلم- أرضعته أمه آمنة بضعة أيام، كما أرضعته ثويبة جارية أبي لهب بضعة أيام أخرى قبل قُدوم حليمة السعدية، ثم بحث له جده عبد المطلب عن مرضعة من أهل البادية لتأخذه وترضعه وترعاه، وكانت المرضعات يأتين من البادية إلى مكة ليأخذن الأطفال لإرضاعهم ورعايتهم مقابل أجرتهن، فجاءت حليمة بنت أبي ذؤيب من قبيلة بني سعد إلى مكة مع مجموعة من المرضعات، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- من نصيبها، فأخذته معها وقامت بإرضاعه عليه -الصلاة والسلام-.[١]


قصة حليمة مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-

  • وردت في كتب السيرة قصة جميلة تحكي عما جرى مع حليمة عندما جاءت إلى مكة تلتمس الرُّضَّع، وتظهر في هذه القصة عجائب من بركات النبي -صلى الله عليه وسلم- على حليمة وأهل بيتها، ومُلَخَّصُ هذه القصة أن حليمة جاءت إلى مكة في وقت كانت هي وأهلها يعانون من الفقر والجوع الشديدن، حيث كانت تلك السنة سنة مُجدبة، لا ماء فيها ولا كلأ، فجفت ضروع الإبل والأغنام من اللبن، وكان لحليمة ولدٌ رضيع، فجف ثدياها من شدة جوعها، وكان ولدها لا ينام الليل من بكائه، وعُرِضَ النبي -صلى الله عليه وسلم- على كل المُرضعات فرفضن أخذه لأنه يتيم، وكُن يرتجين الإكرام من آباء الأطفال.[٢]
  • ثم أخذت كل مُرضعةٍ طفلاً، إلا حليمة لم تجد طفلاً لتأخذه، وعندما أرادوا الرجوع إلى البادية، توقفت حليمة السعدية وقررت أن تأخذ ذلك اليتيم خيراً من تعود فارغة اليدين، فلما أخذته ووضعته في حضنها، امتلأ ثدياها باللبن فأرضعته، وأرضعت ولدها حتى شبع، وامتلأ ضرع الناقلة الهزيلة التي كانت معها ومع زوجها، فشربا من لبنها حتى شبعا، وأصبحت دابتها الضعيفة التي كانت تركب عليها، أسرع دابة في الركب، فتعجّب الجميع، وفاض الخير على حليمة وأهل بيتها، فعرفت بأن هذا الطفل اليتيم طفل مُبارك، وأنها حظيت بأفضل مما حظي به غيرها من المرضعات.[٢]


مدة رضاع الرسول وبقائه عند حليمة

مكث النبي -صلى الله عليه وسلم- عند حليمة حتى صار عمره سنتين، حيث تم رضاعه وفطامه، وكانت تلك هي عادة المراضع، فاضطرت حليمة لإعادته إلى أمه، ولم تكن تحب أن يفارقها، لِما رأت من بركاته عليها وعلى أهلها، ولكنها مضطرة لذلك، فلما وصلت به إلى أمه، ورأته أمه وسُرّت به، عرضت عليها حليمة أن يعود معها مرة أخرى، لتحظى ببركته، ولترعاه بعيداً عن أمراض مكة، فوافقت آمنة أملاً منها في نمو ولدها بشكل جيد، والحفاظ على صحته وقوته، فعاد النبي -صلى الله عليه وسلم- مع حليمة مرة أخرى، وفرحت حليمة بذلك كثيراً، وبقي عندها حتى بلغ خمس سنوات.[٣]


المراجع

  1. محمد أبو شهبة، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، صفحة 191-192. بتصرّف.
  2. ^ أ ب العازمي، اللؤلؤ المكنون، صفحة 88-89. بتصرّف.
  3. أحمد غلوش، السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي، صفحة 188-189. بتصرّف.