قصة الجمل مع الرسول

أجرى الله -سبحانه- على يدّ النبي -صلى الله عليه وسلم- العديد من المعجزات الباهرة، والآيات المبصرة؛ التي لو تأملها ودقق فيها مُريد الحقّ لاهتدى، وأرشدته إلى صدق نبوته -صلى الله عليه وسلم-، وأنّه مؤيد من عند الله -سبحانه-، وقد عدّ أهل العلم هذه المعجزات ففاقت الألف معجزة، وقد أُلفت فيها المصنفات والكتب، وأسهب فيها المؤلفون والمفسرون ونحوهم من أصحاب العلوم.[١]


وقد كان من هذه المعجزات تكليم النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعض الحيوانات، وسماعه لشكواهم، وإحساسه ورحمته -صلى الله عليه وسلم- بحالهم؛ ونذكر من ذلك قصتين للنبي -صلى الله عليه وسلم- مع حيوان الجمل؛ وفيما يأتي بيانهما:


قصة شكوى الجمل

صحّ في السنّة النبويّة عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنهما-؛ أنّه خرج ذات يوم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- على دابةٍ له، وقد أسرّ له بعض الحديث، وبينما هما في الطريق دخل النبي الكريم بستان أحد الأنصار؛ فإذا بجملٍ موجود في هذا البستان، قد ذرفت عيناه الدموع لمّا رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتقدّم إلى نبي الرحمة، ومسح دمعه حتى سكت وهدأ.[٢]


حينها سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- القوم، فقال: (... مَن ربُّ هذا الجَمَلِ، لمن هذا الجمَلُ؟...)، فَجاء فتًى من الأنصار فقال: (... لي يا رسولَ اللَّهِ...)، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (... أفلا تتَّقي اللَّهَ في هذِهِ البَهيمةِ الَّتي ملَّكَكَ اللَّهُ إيَّاها؟ فإنَّهُ شَكا إليَّ أنَّكَ تُجيعُهُ وتُدئبُهُ)؛[٣] أيّ أنّ الجمل شكى للنبي الكريم قسوة صاحبه؛ الذي كان يشقّ عليه، ويُتعبه في العمل، ثم لا يطعمه كفايته من العلف والطعام.[٢]


قصة الجمل الذي استصعب على أهله

يروي أنس بن مالك -رضي الله عنه- هذه القصة؛ فيقول: إنّ نفراً من الأنصار جاؤوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يشكون إليه جملاً كانوا يستعملونه في السقاية ونقل الماء، وقد استصعب عليهم هذا الجمل، ومنعهم من الركوب على ظهره، وبدا شديداً غاضباً، فلمّا شكوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- عطش الزرع والنخل، قام معهم إلى بستانهم.[٤]


ودخل على هذا الجمل الشديد، ومشى نحوه، حتى خاف عليه أصحابه -رضوان الله عليه- من أذيّة هذا الجمل له؛ فطمأنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلاً: (... ليس عليَّ منه بَأْسٌ...)، ولمّا نظر الجمل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد اقترب منه؛ خرّ بين يديه ساجداً، وقد وصف أنس -رضي الله عنه- شدّة تذلل هذا الجمل للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (... فأخَذَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بِناصيَتِه أذَلَّ ما كانتْ قَطُّ، حتى أدخَلَه في العَمَلِ...).[٥][٤]


وما كان من القوم بعد أن رأوا هذا المشهد إلا أنّ قالوا: (... يا نبيَّ اللهِ، هذه بَهيمةٌ لا تَعقِلُ تَسجُدُ لكَ ونحن نَعقِلُ، فنَحْنُ أحَقُّ أنْ نَسجُدَ لكَ...)، فردّ عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (... لا يَصلُحُ لبَشَرٍ أنْ يَسجُدَ لبَشَرٍ، ولو صَلُحَ لبَشَرٍ أنْ يَسجُدَ لبَشَرٍ، لأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لزَوْجِها؛ مِنْ عِظَمِ حَقِّه عليها).[٥][٤]


كلام الرسول مع الحيوانات

علّق بعض أهل العلم على مثل هذه الحوادث والقصص التي أشرنا إليها، وعلى أمثالها مما ثبت وصحّ في السيرة النبويّة؛ فقالوا إنّ كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- مع هذه الحيوانات والدوابّ لا يخلو من أمرين اثنين:[٦]

  • أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد عُلّم منطقها، وأُعطي القدرة على فهم كلامها وشكايتها كما أُعطي سليمان -عليه السلام- منطق الطير.
  • أن يكون الوحي هو من أعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- بحال وكلام هذه الحيوانات؛ وفي كلا الأمرين معجزة وآية.

المراجع

  1. عمر سليمان الأشقر، الرسل والرسالات، صفحة 131. بتصرّف.
  2. ^ أ ب سعيد بن وهف القحطاني، رحمة للعالمين، صفحة 81. بتصرّف.
  3. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، الصفحة أو الرقم:2549، صححه الألباني.
  4. ^ أ ب ت عبد المجيد الزندانى، بينات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته، صفحة 296-297. بتصرّف.
  5. ^ أ ب رواه الضياء المقدسي، في الأحاديث المختارة، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:1895، أورده في المختارة وقال هذه أحاديث اخترتها مما ليس في البخاري ومسلم.
  6. أبي نعيم الأصبهاني، دلائل النبوة، صفحة 385. بتصرّف.