غزوة بني قريظة دروس وعبر

أسفرت غزوة بني قريظة عن عدد من الدروس والعبر التي تحمل الكثير من النفع والفائدة؛ ففي كل غزوة أو سريّة حكم عظيمة يتجلى أثرها على الإسلام والمسلمين منذ لك العهد الذي وقعت فيه إلى هذا اليوم؛ ومن هذه الدروس المستفادة ما نلخصه على النحو الآتي:


تخليص المدينة من شرّ اليهود وفتنتهم

حيث كان بنو قريظة آخر القبائل اليهودية في المدينة المنورة، وبعد تطهيرها من خيانتهم وغدرهم؛ تخلّص المسلمون من شر الفتنة الذي دام لسنوات في المدينة المنورة، وعمّ الأمن وساد بينهم؛ فلا غدر ولا تآمر يفتك بهم وهم بين أظهرهم.[١]


إقرار النبي أصحابه على اجتهادهم

وذلك حينما قال لهم -صلى الله عليه وسلم-: (لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ)؛[٢] فقد أخذ بعض الصحابة الكرام بظاهر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- وأسرعوا في الوصول إلى بني قريظة، ولم يدركوا العصر إلا وقد غربت عليهم الشمس، وبعضهم رأى عندما أدركتهم الصلاة في الطريق أنّ عليهم أداء الصلاة في الطريق إلى بني قريظة، وأنّ أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- كان للحثّ على الوصول إلى وجهتهم، ولمّا قدموا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرّهم على ذلك، ولم يُنكر على أحدٍ منهم اجتهاده.[٣]


توبة الله على عباده التائبين

وهذه العبرة كانت نتيجة ما حدث مع أبي لبابة؛ وهو رفاعة بن المنذر، كان بينه وبين اليهود حلف وأموال؛ وقد طلبت اليهود من النبي أن ترسله إليهم ليستشروه بأمرهم، وذلك لمّا أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- الحكم على بني قريظة؛ فلمّا ذهب إليهم استشاره اليهود بالنزول إلى حكم النبي، فأخبرهم بلزوم ذلك؛ ثمّ صرّح لهم أنّ الحكم سيكون بالذبح والقتل، ولمّا علم أنّه خان الله ورسوله بإفشاء الأمر لهم؛ لم يعد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحلف ألا يدخل إلى مكان خان فيه الله ورسوله، ثم ربط نفسه بسارية المسجد.[٤]


وحلف ألا يفك رباطه حتى يتوب الله عليه، ولمّا علم النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك؛ تركه حتى يأتي أمر الله -تعالى- فيه، حتى أنزل المولى -تبارك وتعالى- فيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)،[٥] حتى اشتدّ عليه الأمر، وكان أهله يأتونه ويفكون رباطه حتى يتوضأ ويصلي، ثم يعود إلى الساريّة، إلى أن تاب الله عليه وأُوحي إلى النبي بذلك، وقد نزل فيه أيضاً قوله -تعالى-: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا).[٦] ومن الجدير بالذكر أنّ آراء أهل التفسير تباينت في هذه القصة؛ فقيل كان من المخلفين في غزوة تبوك، وقيل كانت في غزوة بني قريظة.[٤]


إنزال حكم الله تعالى في الغادرين

إذ إنّ الله -سبحانه- يمهل للظالمين حتى يعودوا عن ظلمهم؛ فإن أبوا وتمادوا في ذلك كان لهم -جل وعلا- بالمرصاد؛ قال -تعالى-: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)،[٧] فالأحزاب الذين تآمروا على الإسلام وأهله سلّط الله عليهم عذابه حتى ردّهم عن المدينة المنورة، وكذلك الحال في يهود بني قريظة؛ الذين غدروا بالمسلمين ولم يلتزموا عهودهم، أنزل -سبحانه- فيهم حكمه؛ فقتّل رجالهم، وسُبيت نساءهم، وصُدرت أموالهم وبيوتهم، وشُرّدوا من أرضهم؛ فكانت عاقبة ظلمهم وخيمة.[٨]


إبراز مكانة الصحابي سعد بن معاذ

كان للصحابي الجليل سعد بن معاذ مكانة رفيعة عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وعند المسلمين، وقد اختاره اليهود ليحكم عليهم بكونه سيد الأوس وحليفهم في الجاهلية؛ فكان حكمه حكماً عادلاً أقرّه عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وأخبره بأنّ هذا هو حكم الله -تعالى- الذي يستحقه بنو قريظة، وهم الذين ظنّوا أن يرأف بحالهم، ويُشفق عليهم، ويتراجع عن حكم الله -تعالى- فيهم، لكنّه فطن إلى التخريب والتدمير الذي تسبب به هؤلاء اليهود، ولم يغب عن باله مصلحة الإسلام والمسلمين بالتخلص من شرّ هذه الفتنة؛ فرضي الله عن سعد بن معاذ وعن الصحابة أجمعين.[٩]

المراجع

  1. أحمد أحمد غلوش، السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني، صفحة 462. بتصرّف.
  2. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:4119، صحيح.
  3. محمد أبو شهبة، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، صفحة 406، جزء 2. بتصرّف.
  4. ^ أ ب السهيلي، الروض الأنف، صفحة 227-228، جزء 6. بتصرّف.
  5. سورة الأنفال، آية:27
  6. سورة التوبة، آية:102
  7. سورة إبراهيم، آية:42
  8. صالح بن طه عبد الواحد، سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام، صفحة 443، جزء 1. بتصرّف.
  9. محمد بن أحمد باشميل، من معارك الإسلام الفاصلة موسوعة الغزوات الكبرى، صفحة 191-192، جزء 4. بتصرّف.