كيف هاجر المسلمون إلى الحبشة؟

خرج المسلمون من مكة ليلاً في الخفاء، يمشون بسرعة وحذر، خوفاً من أن يراهم أحدٌ من قريش، فيقوم بإفشال محاولتهم الأولى للفرار بدينهم من الفتنة، وبأنفسهم من العذاب والقهر، وقد كانت أول مجموعة تنطلق من مكة مكونة من بضعة أُسر فقط، كان على رأسهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتجاوز عدد أفراد هذه المجموعة جميعاً ستة عشر شخصاً، وبعد أن خرجوا من مكة وتجاوزوها، توجهوا نحو البحر، فلما وصلوا إليه، هيأ الله -تعالى- لهم سفينتين، كانتا تريدان الإبحار إلى الحبشة بقصد التجارة، فركبوا فيهما، وانطلقت السفينتان تشقان عُباب البحر، وفي هذه الأثناء علمت قريش بخبر هجرة المسلمين، فحاولت منع هذا الأمر، لكنها لم تتمكن من اللحاق بهم، فعندما وصلت إلى البحر كانت السفينتان قد ابتعدتا كثيراً عن الشاطئ، وهكذا وصل المسلمون بأمن وطمأنينة إلى أرض الحبشة.[١]


سبب الهجرة إلى الحبشة

عندما رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما يجري لأصحابه من تضييق وتعذيب وإهانة، كانوا يتعرضون لها بسبب اتباعهم له، وثباتهم على الإيمان، وهو لا يستطيع منع الأذى عنهم، وأصبحت قريش تتفنّن في إيذاء المسلمين، وتستخدم كل يوم أسلوباً جديداً ضدهم، حتى ضاق الأمر كثيراً عليهم، فخشي -صلى الله عليه وسلم- عليهم من الفتنة، وعدم تحمل المزيد من البلاء، وعزَّ عليه أن يراهم في ذلك الحال، وكانت قد نزلت في ذلك الوقت العصيب سورة الكهف، التي تشير آياتها إلى ضرورة الهجرة من أرض الكفر إذا خاف المؤمنون الفتنة، ولم يأمنوا على أنفسهم، ثم نزلت سورة الزمر، التي أخبر الله -تعالى- فيها المؤمنين بأن أرضه واسعة، فتبلورت فكرة الهجرة في أذهانهم، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلم بأن ملك الحبشة رجل عادل كريم، فوَجَّه أصحابهُ إليه، قائلاً: (إنَّ بأرضِ الحَبَشةِ ملِكًا لا يُظلَمُ أحدٌ عندَه؛ فالحَقوا ببِلادِه حتى يَجعَلَ اللهُ لكم فَرَجًا ومَخرجًا).[٢][٣]


تاريخ الهجرة إلى الحبشة وعدد المهاجرين

بدأت رحلة الهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة للبعثة النبوية، وكانت الهجرة على مرحلتين، فقد هاجر في المرة الأولى ستة عشر شخصاً، بينهم اثنا عشر رجلاً وأربع نسوة، فمكثوا في الحبشة ثلاثة أشهر ثم رجعوا إلى مكة،[٤] وتمت الهجرة الثانية بعد سنة واحدة من الهجرة الأولى، وهاجر في هذه المرة ثلاثة وثمانون رجلاً وإحدى عشرة امرأة،[٥] وقيل اثنان وثمانون رجلاً وثماني عشرة امرأة، وقد كانت الهجرة الثانية هذه أصعب من الأولى، وأعظم خطورة، فقد تعرض المسلمون لأذى شديد من قريش، وتنبهت لأمرهم هذا بعد الهجرة الأولى، وكان أمير المسلمين في الهجرة الثانية هو جعفر بن أبي طالب، وقد كان المهاجرون يمثلون شرائح المجتمع المكي على تنوعها، ففيهم الغني والفقير، والكبير والصغير، والرجل والمرأة، وجُلُّهُم من أُسر ذات شأن وتأثير في مكة.[٦]


المراجع

  1. محمد الغزالي، فقه السيرة، صفحة 119. بتصرّف.
  2. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج سير أعلام النبلاء، عن أم سلمة، الصفحة أو الرقم:208، حديث سنده صحيح.
  3. العازمي، اللؤلؤ المكنون، صفحة 314. بتصرّف.
  4. محمد الطيب النجار، القول المبين في سيرة سيد المرسلين، صفحة 129-130. بتصرّف.
  5. محمد الطيب النجار، القول المبين في سيرة سيد المرسلين، صفحة 143-144. بتصرّف.
  6. العازمي، اللؤلؤ المكنون، صفحة 372-373. بتصرّف.